الحلبي

21

السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )

عنه فلما كان زمن ولاية عمر بن الخطاب رضي اللّه تعالى عنه اشترى تلك الدور من أهلها وهدمها وبنى المسجد المحيط بها ، ثم لما كان زمن ولاية عثمان رضي اللّه عنه اشترى دورا آخر وغالى في ثمنها وهدمها وزاد في سعة المسجد ، ثم إن ابن الزبير رضي اللّه عنهما زاد في المسجد زيادة كثيرة ، ثم إن عبد الملك بن مروان رفع جداره وسقفه بالساج وعمره عمارة حسنة ولم يزد فيه شيئا ، ثم إن الوليد بن عبد الملك وسع المسجد وحمل إليه أعمدة الرخام ، ثم زاد فيه المهدي والد الرشيد مرتين ، واستقر بناؤه على ذلك إلى الآن . وكانت قريش قبل ذلك : أي قبل بناء منازلهم في الحرم يحترمون الحرم ولا يبيتون فيه ليلا ، وإذا أراد أحدهم قضاء حاجة الإنسان خرج إلى الحل . وقد جاء أنه صلى اللّه عليه وسلم لما كان بمكة إذا أراد حاجة الإنسان خرج إلى المغمس بكسر الميم أفصح من فتحها ، وهو على ثلثي فرسخ من مكة ، وهابت قريش قطع شجر الحرم التي في منازلهم التي بنوها ، فقد كان بمكة شجر كثير من العضاه والسلم ، وشكوا في ذلك إلى قصي فأمرهم بقطعها ، فهابوا ذلك ، فقالوا نكره أن ترى العرب أنا استخففنا بحرمنا ، فقال قصي : إنما تقطعونه لمنازلكم وما تريدون به فسادا ، بهلة اللّه : أي لعنته على من أراد فسادا ، فقطعها قصي بيده وبيد أعوانه . وفي كلام السهيلي عن الواقدي : الأصح أن قريشا حين أرادوا البنيان قالوا لقصي كيف نصنع في شجر الحرم ، فحذرهم قطعها وخوفهم العقوبة في ذلك ، فكان أحدهم يحدق بالبنيان حول الشجرة حتى تكون في منزله . قال : وأول من ترخص في قطع شجر الحرم للبنيان عبد اللّه بن الزبير حين ابتنى دورا بقعيقعان ، لكنه جعل فداء كل شجرة بقرة فليتأمل الجمع . وأنزل قصي القبائل من قريش : أي فإنه جعلها اثنتي عشرة قبيلة كما تقدم في نواحي مكة بطاحها وظواهرها ، ومن ثم قيل لمن سكن البطاح قريش البطاح ، ولمن سكن الظواهر قريش الظواهر ، والأولى أشرف من الثانية ، ومن الأولى بنو هاشم ، وإلى ذلك يشير صاحب الأصل في وصفه صلى اللّه عليه وسلم بقوله : من بني هاشم بن عبد مناف * وبنو هاشم بحار الحباء من قريش البطاح من عرف النا * س لهم فضلهم بغير امتراء قال بعضهم : كان قصي أول رجل من بني كنانة أصاب ملكا ولما حضر الحج قال لقريش : قد حضر الحج وقد سمعت العرب بما صنعتم وهم لكم معظمون ، ولا أعلم مكرمة عند العرب أعظم من الطعام ، فليخرج كل إنسان منكم من ماله خرجا ففعلوا ، فجمع من ذلك شيئا كثيرا ، فلما جاء أوائل الحج نحر على كل طريق من